الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

48

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المحاورات الذي بيّناه في مواضع منها قوله : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة [ 30 ] . و عَمَّا قَلِيلٍ أفاد حرف ( عن ) المجاوزة ، أي مجاوزة معنى متعلّقها الاسم المجرور بها . ويكثر أن تفيد مجاوزة معنى متعلّقها الاسم المجرور بها فينشأ منها معنى ( بعد ) نحو لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [ الانشقاق : 19 ] فيقال : إنها تجيء بمعنى ( بعد ) كما ذكره النحاة وهم جروا على الظاهر وتفسير المعنى إذ لا يكون حرف بمعنى اسم ، فإن معاني الحروف ناقصة ومعاني الأسماء تامة . فمعنى عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ : أن إصباحهم نادمين يتجاوز زمنا قليلا : أي من زمان التكلم وهو تجاوز مجازي بحرف ( عن ) مستعار لمعنى ( بعد ) استعارة تبعيّة . و ما زائدة للتوكيد . و قَلِيلٍ صفة لموصوف محذوف دل عليه السياق أو فعل الإصباح الذي هو من أفعال الزمن فوعد اللّه هذا الرسول نصرا عاجلا . وندمهم يكون عند رؤية مبدأ الاستئصال ولا ينفعهم ندمهم بعد حلول العذاب . والإصباح هنا مراد به زمن الصباح لا معنى الصيرورة بدليل قوله في سورة الحجر [ 83 ] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ . [ 41 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 41 ] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 41 ) تقتضي الفاء تعجيل إجابة دعوة رسولهم . والأخذ مستعار للإهلاك . والصيحة : صوت الصاعقة ، وهذا يرجع أو يعيّن أن يكون هؤلاء القرن هم ثمود قال تعالى : فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [ الحاقة : 5 ] وقال في شأنهم في سورة الحجر [ 83 ] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ . وإسناد الأخذ إلى الصيحة مجاز عقلي لأن الصيحة سبب الأخذ أو مقارنة سببه فإنها تحصل من تمزق كرة الهواء عند نزول الصاعقة . والباء في بِالْحَقِّ للملابسة ، أي أخذتهم أخذا ملابسا للحق ، أي لا اعتداء فيه